أبو الليث السمرقندي

533

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني : الأشراف والرؤساء تعظموا عن الإيمان من قومه لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي لتدخلنا في ديننا الذي نحن عليه . ويقال : هذا الخطاب لقومه الذين آمنوا لترجعن إلى ديننا كما كنتم قالَ لهم شعيب أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ يعني : أتجبروننا على ذلك ؟ قالوا : نعم قال لهم شعيب : قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ يقول : قد اختلقنا على اللّه كذبا إن دخلنا في دينكم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها يقول : إن اللّه تعالى أكرمنا بالإسلام وأنقذنا من ملّتكم . يقال : معناه كنا كاذبين مثلكم لو دخلنا في دينكم بعد إذ نجانا اللّه منها . ويقال : أكرمنا اللّه تعالى بالإسلام ولم يجعلنا من أهل الكفر فأنقذنا وأبعدنا من ملتكم . وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ يعني : ما ينبغي لنا وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يشاء اللّه رَبُّنا دخولنا فيها وأن ينزع المعرفة من قلوبنا . ويقال : معناه وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يكون في علم اللّه ومشيئته أنا نعود فيها . ويقال : معناه إلا أن يشاء اللّه يعني : لا يشاء اللّه الكفر مثل قولك . لا أكلمك حتى يبيض القار ، وحتى يشيب الغراب ، وهذا طريق المعتزلة . ثم قال : وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً يعني : علم ما يكون منا ومن الخلق عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا أي فوضنا أمرنا إلى اللّه لقولهم : لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي اقض بيننا وبين قومنا بالعدل . وروى قتادة عن ابن عباس قال : ما كنت أدري ما معنى قوله : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لعلي بن أبي طالب تعال أفاتحك يعني : أخاصمك . وقال القتبي : الفتح أن تفتح شيئا مغلقا كقوله : حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها [ الزمر : 73 ] وسمي القضاء فتحا لأن القضاء فصل للأمور وفتح لما أشكل منها وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ يعني : خير الفاصلين . قوله تعالى : وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً أي لأن أطعتم شعيبا في دينه إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ يعني : جاهلون . فلما وعظهم شعيب ، ولم يتعظوا أخبرهم أن العذاب نازل بهم . فلم يصدقوه . فخرج شعيب ومن آمن معه من بين أظهرهم فأصابهم يعني : أهل القرية حر شديد ، فخرجوا من القرية ، ودخلوا غيضة كانت عند قريتهم وهي الأيكة كما قال اللّه تعالى في آية أخرى كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ [ الشعراء : 176 ] فأرسل اللّه تعالى نارا فأحرقت الأشجار ومن فيها من الناس . ويقال : أصابتهم زلزلة فخرجوا ، فأتتهم نار فأحرقتهم ، وذلك قوله تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني : الزلزلة والحر الشديد فهلكوا واحترقوا فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ يعني : صاروا ميتين . قوله تعالى : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا يعني : كأن لم يكونوا فيها قط وقال